عبد الشافى محمد عبد اللطيف
315
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
خطبتها على ابني ، فإن رأيت أن تسعفني بحاجتي فعلت ، والسلام عليك ورحمة اللّه وبركاته . واستهداه أيضا - أي : طلب منه - طيبا وسرداقا من سرداقاته فأمر الرشيد بطلب الجارية فأحضرت ، وزينت وأجلست على سرير في مضربه الذي كان نازلا فيه ، وبعث إليه بما سأل من العطور ، وبعث إليه من التمور والأخبصة والزبيب والترياق . فسلّم ذلك كله إليه رسل الرشيد ، فأعطاهم نقفور وقر دراهم إسلامية ، على برذون كميت كان مبلغه خمسين ألف درهم ، ومائة ثوب ديباج ، ومائتي ثوب بزيون ، واثني عشر بازيا ، وأربعة كلاب من كلاب الصيد ، وثلاثة براذين » « 1 » . هذا أنموذج رائع على حسن العلاقات بين الخليفة والإمبراطور ، فتبادل الرسائل الودية والهدايا والطرف بينهما ، بعد التوتر الذي ساد علاقاتهما في البداية دليل ناصع على رغبة كل منهما في السلام ، وفتح صفحة جديدة من العلاقات الودية وحسن الجوار ، ومن اللافت للنظر أن : 1 - رسالة الإمبراطور على الرغم من قصرها كانت ودية وقد بدأها بالسلام ، وهذه تحية المسلمين بعضهم لبعض ، وهذا أمر له دلالته ، ولم يكتب اعتباطا ، بل يستشف منه الاحترام والتقدير للخليفة . 2 - أن الخليفة استقبل الوفد الإمبراطوري استقبالا يليق بمقام مرسله ، وأجاب كل طلباته ، بل زاد عليها من التحف والطرف العربية . 3 - وزيادة في التكريم وإظهار الود نحو الإمبراطور ، أمر هارون الرشيد بتزيين الجارية وجلوسها في جناحه الخاص الذي يجلس فيه قبل سفرها إلى خطيبها ، ابن الإمبراطور ، وهذه لفتة كريمة تستحق التنويه . 4 - وفوق هذا كله فإن هارون الرشيد لم يرسل الجارية والهدايا وطلبات الإمبراطور مع الوفد الذي حضر من القسطنطينية ، وإنما تصرف تصرفا يليق بالملوك ، فقد أرسل كل هذا مع وفد خاص من قبله . 5 - أن الوفد الإسلامي عندما وصل إلى القسطنطينية استقبله الإمبراطور على الفور ، وأظهر سروره بإجابة الخليفة لمطالبه وحملهم بالهدايا العظيمة التي مر ذكرها . ومما يجدر ذكره في هذه المناسبة أن سجلات البروتوكول البيزنطي حافلة
--> ( 1 ) تاريخ الطبري ( 8 / 321 ) ، وابن الأثير - الكامل في التاريخ ( 6 / 134 ) .